قدّم الدكتور فاروق السامرائي في هذه الديوانية مقاربةً عميقة بعنوان «القضية الفلسطينية: قراءة سننية حضارية»، تنقل فلسطين من كونها حدثًا سياسيًا طارئًا إلى كونها ميدانًا كاشفًا لقوانين التاريخ والاجتماع والحضارة؛ حيث تتجلّى السنن الإلهية في حركة الشعوب، وصعود المشاريع، وانكسارها، وتداول القوة، ومعنى الثبات في زمن الارتباك.
وانطلقت الديوانية من إعادة بناء السؤال الفلسطيني داخل أفق السنن: سنة التدافع بوصفها قانونًا يفسّر طبيعة الصراع ومآلاته، وسنة الابتلاء بوصفها غربالًا حضاريًا يميّز الصادق من العارض، وسنة الأسباب التي تُحوّل العاطفة إلى مشروع، وسنة التداول التي تذكّر بأن الغلبة ليست قدرًا ثابتًا بل نتيجة لمسار طويل من الفاعلية والتراكم. وفي هذا المنظور لا تُقرأ فلسطين بمعزل عن حال الأمة، بل بوصفها مرآةً تكشف مستوى المناعة الحضارية: في الوعي، وفي الوحدة، وفي صناعة السردية.
وتؤكد هذه القراءة أن تحرير فلسطين ليس مجرد شعار، بل بناءٌ حضاري: يبدأ من إعادة ترتيب المفاهيم، وترميم الوعي، وتشييد أدوات الفعل، وتطوير شبكات الإسناد، وتحويل الانحياز الأخلاقي إلى قدرة مؤسسية مستدامة. هكذا تصبح فلسطين مفتاحًا لفهم الأمة، ومختبرًا يكشف قوانين النهوض والانكسار؛ ومن ثم فإن استعادة فلسطين تمرّ عبر استعادة شروط الحضارة: العلم، والوعي، والتماسك، والفاعلية، والامتداد الاستراتيجي.